ميرزا محمد حسن الآشتياني

3

بحر الفوائد في شرح الفرائد ( ط مكتبة المرعشي )

في فصوله في معنى الحكم الواقعي والظاهري إلى غير ذلك مما فصلنا لك القول فيه ثمة ولكن نعيد الكلام في تحقيق الحكم الواقعي والظاهري ونجدده فيه لما هو المقصود بالبحث في المقام ولعلنا نشير ضمنا إلى بعض ما طوينا ذكره في الجزء الأول من التعليقة [ في تحقيق الحكم الظاهري والواقعي ] ( فنقول ) أما الحكم الواقعي فالمراد به هو الحكم المجعول للموضوعات بالملاحظة الأولية وبعبارة أخرى الحكم المجعول لها جعلا أوليا وبعبارة ثالثة هو الحكم المجعول لها من دون ملاحظة الجهل بحكمها الأولي المجعول لها وإن لوحظ في عروضه لها وتعلقه بها سائر الاعتبارات والأوصاف كالحضر والسفر والصحة والمرض ووجدان الماء وفقدانه إلى غير ذلك فالأحكام الثابتة لذوي الأعذار والموضوعات الاضطرارية أحكام واقعية بل وإن لوحظت في عروضه لها العلم بالموضوع أو الظن به أو الشك فيه بحيث لا يكون مع قطع النظر عن هذه لها حكم بحيث يكون المجعول بملاحظتها مجعولا أوليا لها أو كان ولكن لم يكن من سنخها أو وإن كان من سنخها بالنسبة إلى غير العلم على ما عرفت شرح القول فيه في الجزء الأول من التعليقة وأما الحكم الظاهري فهو المجعول للموضوعات من حيث الجهل وعدم العلم بالحكم المجعول لها أولا وبالذات سواء لوحظ فيه الظن به شخصا أو نوعا أو الشك فيه بالمعنى المقابل للظن وهو التسوية كما هو الملحوظ في موارد التخيير وشكوك الصلاة في ركعاتها أو أفعالها بالمعنى الأعم من الأقوال أو الشك بالمعنى اللغوي وهو خلاف اليقين على ما في القاموس كما هو الملحوظ في الاستصحاب بناء على القول به من باب الأخبار وعلى ما ستقف على تفصيل القول فيه أو العنوان المنطبق على الشك بالمعنى الأعم في الجملة كما هو الملحوظ في موارد وجوب الاحتياط عقلا وشرعا وموارد البراءة العقلية والشرعية على ما ستقف عليه عن قريب من إناطة الاحتياط باحتمال العقاب لا الشك وإناطة البراءة بعدم وصول البيان الكافي من الشرع وإن كان ظنا معتبرا بل أصلا من الأصول الشرعية كالاستصحاب وإن كان في إناطتها بهذا المعنى كلام بالنسبة إلى البراءة الشرعية أو منع في الجملة ولو بالنسبة إلى الموضوعات الخارجية بدعوى كون المناط فيها هو عدم العلم بالحكم الإلزامي فينطبق على الشك بالمعنى الأعم كما في موارد الاستصحاب وستقف على ما هو المختار من المسلكين عن قريب فقد ظهر مما ذكرنا أن الحكم الثابت بمقتضى الأدلة الظنية المعتبرة شرعا والأمارات الشرعية حكم ظاهري على مذهب أهل الصواب من المخطئة كما اتفقت عليه كلمة علماء الإمامية بل يكون الأمر كذلك عند العامة أيضا بالنسبة إلى الأمارات القائمة على الموضوعات الخارجية بل على الأحكام فيما كان الدال عليها ظواهر الكتاب والسنة كما عرفت البحث فيه في الجزء الأول من التعليقة ولذا ذكروا أن المستنتج من البرهان المعروف الذي يترتبه المجتهدون هو العلم بالحكم الظاهري ووجهوا به أخذ العلم بالحكم في تعريف الفقه في دفع الإيراد عليه بكون أكثر مباديه ظنية بأن المراد بالحكم أعم من الظاهري والواقعي فلا ينافي أخذ العلم في حد الفقه وإلى ذلك يشير قوله قدس سره بعد ذلك ولذا اشتهر أن علم المجتهد بالحكم مستفاد من صغرى وجدانية وهي هذا ما ادعى إليه ظني وكبرى برهانية وهي كلما أدى إليه ظني فهو حكم الله في حقي فإن الحكم المعلوم منهما هو الحكم الظاهري فإن صريحه كون الحكم الظاهري أعم من مفاد الأصول وإن كان ربما يوهم قوله قبل ذلك في بيان الفرق بين الأصل والدليل كون الحكم الظاهري مختصا بمفاد الأصل كظاهر ما يتراءى منه ذلك في باب الاستصحاب ومن هنا قيل إن للحكم الظاهري إطلاقين عنده أعم وأخص ولكن المتأمل يشهد بأن مراده ليس تخصيص مطلق الحكم الظاهري بمفاد الأصل بل تخصص ما لا يلاحظ في تعلقه بالموضوع المجهول الحكم الكشف الظني عن الواقع ولكن الأمر في ذلك سهل وأما إطلاق الحكم الظاهري على الفعلي المنجز سواء كان واقعيا تنجز بالعلم أو ظاهريا بالمعنى الذي عرفته والواقعي على الثاني الغير المنجز فلم نقف عليه إلا في كلام بعض الأفاضل مقاربي عصرنا في فصوله وقد تقدم نقله في الجزء الأول من التعليقة [ في انقسام الحكم الظّاهري إلى الشأني والفعلي ] ( ثم ) إن الحكم الواقعي بالمعنى الذي عرفت كما ينقسم إلى الشأني والفعلي بالنظر إلى حكم العقل بوجوب إطاعته وتنجزه على المكلف وترتب الآثار عليه وحكمه بكونه معذورا في مخالفته على تقدير ثبوته في نفس الأمر لا أن يكون هناك إنشاءان وحكمان من الشارع أحدهما الحكم الشأني ثانيهما الفعلي كما قد يتوهم أو توهم كذلك الحكم الظاهري ينقسم إلى الثاني والفعلي فإن ثبوته في موضوعه لا تعلق له بعلم المكلف به فإذا علم المكلف به تنجز في حقه كوجوب تصديق العادل مثلا فإنه ربما يكون هذا الحكم ثابتا ولا يعلم به المجتهد أو وجوب تقليد الأعلم مثلا فإنه وربما يكون ثابتا ولا يعلم به المجتهد ولا العامي ولكن مجرد ثبوته النفس الأمري بل الفعلي لا يكفي في ترتب الآثار عليه إلا بعد الاستناد إليه في العمل فإذا فرض كون فعل حراما في الواقع فإذا استند العامي في ارتكابه إلى رأي من يفتي بجوازه مع جواز تقليده في حقه يكون معذورا وإلا فلا ولا ينافي ما ذكرنا من وجود القسمين للحكم الظاهري ما اتفقت عليه كلمتهم من التصويب في الأحكام الظاهرية في الجملة ألا ترى أن الخبرين المتعارضين المتساويين من جميع الجهات إذا أخذ مجتهد بأحدهما وآخر بالآخر يكون مفاد المأخوذ مع الاختلاف حكما ظاهريا للآخذ وكذا في دوران الأمر بين الحرمة والوجوب مع تساوي الاحتمالين وهكذا وبالجملة ما ذكرنا مما لا إشكال فيه لأن